السيد كمال الحيدري

310

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

الأفعالى يبدو أكثر تواشجاً معه من خلال ما له من آثار عمليه . ثمّ تزداد العلاقة قرباً في بعض مكوّنات التوحيد الأفعالى خاصّة التوحيد في الخالقية والربوبية . من الطبيعي أيضاً أن تتحرّك الآثار العملية بالاتجاهين السلبي والإيجابى ؛ فكما أنّ هناك معطيات إيجابية تبرز لهذا الضرب من التوحيد على مستوى السلوك العملي ، فكذلك تبرز تبعات سلبية ناشئة عن عدم الأخذ بلوازم التوحيد في الخالقية والربوبية . هذه النقطة هي التي تسمح بالحديث عن مظاهر الشرك في الخالقية والربوبية وما ينجم عن ذلك من اختلالات في حياة الإنسان . ففرق كبير بين أن يصدر الإنسان من تصوّر ينهض فيه بأداء أعماله وممارسة حياته مستقلًّا ومن دون الله ، وبين أن يمارس ذلك بإذن الله واستشعار الحركة من خلاله . وفرق أيضاً بين أن يعتقد الإنسان أنّ الله سبحانه انعزل عن الوجود بعد خلقه وانفصل عن ملكه وسلطانه وأنّه فوّض للآخرين تدبير الكون وإدارة الوجود على نحو الاستقلال والانفصال وبين أن يؤمن أنّ التدبير لله ربّ الأرباب وحده لا شريك له . ربّما كان البُعد العملي والآثار المترتّبة على التوحيد الأفعالى عامّة وتوحيد الربوبية خاصّة هو الباعث من وراء هذه العناية الكبيرة التي أولاها كتاب الله لهذا البُعد من أبعاد التوحيد . على هذا تبرز مسألة العبادة بوصفها طليعة للآثار العملية ، إذ التوحيد في العبادة هو الثمرة الطبيعيّة لمسار التوحيد في الخالقية والربوبية . فما لم يكن الإنسان موحِّداً في الخالقية والربوبية لا يمكن أن يكون موحِّداً في العبودية والطاعة لربّه . ولو أشرك في الخالقية والربوبية فلا ريب أنّه سيكون مشركاً في العبادة والعبودية ، وإذا صار موحِّداً فيهما ، حصر عبادته بالله وتحرّك في الطاعة والعبودية له دون ما سواه . هذه الخلفية هي التي تضئ بواعث كبير عناية القرآن الكريم واهتمامه بهذا الجانب ، وبالارتباط بالله والانقطاع إليه في الربوبية والتدبير ، لأنّه المالك والمدبِّر الذي يسوق كلّ موجود إلى كماله عبر المسار الخاصّ به تكوينيّة كانت الهداية